ابن قتيبة الدينوري

97

عيون الأخبار

قال ابن المبارك ( 1 ) : ألستم تعلمون أنّي قد أرميت ( 2 ) على المائة ! وينبغي لمن كان كذلك أن يكون في وهن الكرّة وموت الشّهوة وانقطاع ينبوع النّطفة ، وأن قد يكون قد مال جبينه إلى النساء وبفكره إلى الغزل ؛ قالوا : صدقت . قال : وينبغي أن يكون قد عوّد نفسه تركهن ، وهذا والتخلي بهنّ دهرا أن تكون العادة وتمرين الطبيعة وتوطين النفس قد حطَّ من ثقل منازعة الشهوة ودواعي الباه ( 3 ) ، وقد علمت أنّ العادة قد تستحكم ببعض عمن ترك ملابسة النساء ؛ قالوا : صدقت : وينبغي أن يكون لمن لم يذق طعم الخلوة بهنّ ولم يجالسهنّ متبذّلات ولم يسمع خلابتهن للقلوب واستمالتهن للأهواء ، ولم يرهنّ متكشّفات ولا عاريات أن يكون إذا تقدّم له ذلك مع طول الترك ألَّا يكون بقي معه من دواعيهنّ شيء ؛ قالوا صدقت . قال : وينبغي لمن علم أنّه مجبوب ( 4 ) وأن سببه إلى خلاطهن محسوم أن يكون اليأس من أمتن أسبابه إلى الزهد والسّلوة وإلى موت الخاطر ؛ قالوا : صدقت . قال : وينبغي لمن دعاه الزّهد في الدنيا إلى أن خصى نفسه ولم يكرهه على ذلك أب ولا عدوّ ولا سباه ساب أن يكون مقدار ذلك الزّهد يميت الذّكر وينسي العزم ؛ قالوا : صدقت . قال : وينبغي لمن سخت ( 5 ) نفسه عن الشكر وعن الولد وعن أن يكون مذكورا بالعاقب الصالح أن يكون قد نسي هذا الباب إن كان مرّة منه على ذكره ، وأنتم تعلمون أنّي سملت ( 6 ) عيني يوم خصيت نفسي وقد نسيت كيفية الصّور ؛ قالوا : صدقت .

--> ( 1 ) ابن المبارك : هو عبد اللَّه بن المبارك من اجواد العرب وأمرائهم وشجعانهم . ( 2 ) أرميت : أربيت وزدت . ( 3 ) الباه : النكاح . ( 4 ) المجبوب : الذي قطع ذكره . ( 5 ) سخت نفسه : تركته ولم تنازعه إلى الأمر أو الشيء . ( 6 ) سمل عينه : فقأها .